ابن قيم الجوزية
250
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
والمعنى : لم نخلق قلوبهم غلفا لا تعي ولا تفقه ، ثم نأمرهم بالإيمان ، وهم لا يفهمونه ولا يفقهونه ، بل اكتسبوا أعمالا عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب والختم عليها . فصل وأما الحجاب ففي قوله تعالى حكاية عنهم : وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ ( 5 ) [ فصلت ] وقوله : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 ) [ الإسراء ] على أصح القولين ، والمعنى : جعلنا بين القرآن إذا قرأته وبينهم حجابا ، يحول بينهم وبين فهمه وتدبره والإيمان به ، ويبيّنه قوله : وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ( 46 ) [ الإسراء ] وهذه الثلاثة هي الثلاثة المذكورة في قوله : وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ ( 5 ) [ فصلت ] فأخبر سبحانه أن ذلك جعله ، فالحجاب يمنع رؤية الحقّ ، والأكنة تمنع من فهمه ، والوقر يمنع من سماعه . وقال الكلبي : الحجاب هاهنا مانع يمنعهم من الوصول إلى رسول اللّه بالأذى ، من الرعب ونحوه مما يصدهم عن الإقدام عليه ، ووصفه بكونه مستورا ، فقيل : بمعنى ساتر ، وقيل : على النسب ، أي : ذو ستر ، والصحيح أنه على بابه ، أي : مستورا عن الأبصار فلا يرى . ومجيء مفعول بمعنى فاعل لا يثبت ، والنسب في مفعول لم يشتق من فعله كمكان مهول ، أي : ذي هول ، ورجل مرطوب أي : ذي رطوبة . فأما مفعول فهو جار على فعله ، فهو الذي وقع عليه الفعل كمضروب ومجروح ومستور .